مرحبًا بك، الضيف 26 أنت داخل منصة تطوير ذاتي عملية — ابدأ بخطوة صغيرة الآن.
منظور
منظور وعي مؤسسي وقرار رشيد

التفكير النقدي في زمن الضجيج المعلوماتي

تاريخ الإضافة: 2025-12-11  •  المشاهدة: 30  •  الإعجابات: 0  • 

لم يعد التحدي اليوم هو نقص المعلومات، بل فائضها. بضغطة واحدة نستقبل سيلاً من الأخبار والتحليلات والآراء، لكن هذا الثراء الظاهري يصاحبه نوع جديد من الفقر: فقر في القدرة على التمييز بين ما يستحق الانتباه وما هو مجرد ضجيج. هنا يصبح التفكير النقدي ليس مهارة إضافية، بل أداة بقاء معرفي. التفكير النقدي لا يعني الشك في كل شيء لمجرد الشك، ولا تحويل النقاش إلى معركة دائمة. إنه بالأحرى فن طرح الأسئلة المناسبة: من يقول هذا؟ ما مصلحته؟ ما الأدلة؟ ما البدائل التي لم تُذكر؟ وكيف يمكن أن أكون أنا نفسي واقعًا تحت تأثير تحيز ما في استقبال هذه المعلومة؟ بهذا المعنى، التفكير النقدي يبدأ من تواضع معرفي، لا من غرور. في الضجيج المعلوماتي، تعمل عدة تحيزات معًا: تحيز التوفر يدفعنا لتضخيم ما نراه كثيرًا في التغذية الأخبارية، وتحيز القطيع يجعلنا نميل إلى رأي يبدو شائعًا، وتحيز التأكيد يدفعنا إلى البحث عما يثبت ما نؤمن به سلفًا. بدون وعي بهذه الآليات، قد يتحول عقلنا إلى غرفة صدى تكرّر ما يقال بدل أن تفحصه. لذلك يحتاج التفكير النقدي إلى عادات عملية: تخصيص وقت منتظم لقراءة أعمق خارج تيار الأخبار السريع، متابعة مصادر مختلفة ومتعارضة أحيانًا، التدريب على كتابة ملخّص محايد لأي قضية قبل إبداء الرأي فيها، ومحاولة الدفاع – لتمرين العقل – عن موقف لا نتبناه لنرى نقاط قوته وضعفه. في النهاية، لا يهدف التفكير النقدي إلى حرماننا من القناعات، بل إلى جعل قناعاتنا أكثر وعيًا وصلابة وإنسانية. في زمن الضجيج، العقل الذي لا يملك أدوات نقدية يصبح تابعًا لا يشعر بالتبعية. أما العقل الذي يتدرّب على الفحص والمراجعة، فيستعيد حقه الطبيعي في اختيار ما يصدّق، وكيف يعيش.